محمد أبو زهرة
603
زهرة التفاسير
والإحرام له ميقات من الزمان والمكان ، فهو بالنسبة للزمان يكون في أشهر الحج ، كما تبين ، وفي المكان يكون في مداخل الحرم المكي ؛ وقد بين النبي صلى اللّه عليه وسلم الأمكنة لأهل كل جهة ومن وراءهم ويجئ عن طريقهم ؛ فجعل لأهل المدينة ومن وراءهم قرية ذي الحليفة ، ولأهل الشام ومن وراءهم كأهل مصر قرية الجحفة التي تقرب من قرية رابغ ، ولأهل نجد جبل قرن ، ولأهل العراق ذات عرق « 1 » . فإذا نوى الحج أحد من هذه الأماكن صار محرما تحرم عليه محرمات الحج ؛ إلا أنه قد يعرض له ما يرخص له قطع الإحرام أو التحلل من بعض ما حرم عليه ؛ وذلك في ثلاثة أحوال ، اثنتان فيهما معنى الاضطرار ، وثالثة فيها اختيار ؛ فالأوليان حال الإحصار ، وحال المرض ؛ والثالثة حال التمتع ؛ وقد ابتدأ سبحانه بذكر الأولى فقال : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ . مادة الحصر في اللغة تدل على التضييق ، ومن ذلك قوله تعالى في شأن القتال : ( واحصروهم ) أي ضيقوا عليهم ؛ ولذلك أطلقت على الحبس . وقال سبحانه : . . . وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) [ الإسراء ] أي محبسا . هذا موضع اتفاق بين علماء اللغة ، ولكن الخلاف بينهم في الفرق بين الإحصار ، والحصر ؛ فقد قال الكسائي وأبو عبيدة وكثيرون من علماء اللغة : الإحصار المنع بالمرض أو ذهاب النفقة ، أي ما يكون الحبس فيه من ذات الشخص لا من أمر خارج عنه ؛ والحصر هو حصر العدو ؛ وعلى هذا يقال أحصره المرض ، وحصره العدو ، وقال الفراء : هما بمعنى واحد ؛ فيقال حصره المرض وأحصره ، وحصره العدو وأحصره ، وقال الراغب الأصفهاني : إن الإحصار أعم من الحصر ،
--> ( 1 ) عن عائشة قالت : « وقّت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشّام ومصر الجحفة ، ولأهل العراق ذات عرق ، ولأهل نجد قرنا ، ولأهل اليمن يلملم » . أخرجه النسائي - ميقات أهل العراق ( 2608 ) وفي الصحيحين من رواية عبد الله بن عباس قال : « إنّ النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشّام الجحفة ، ولأهل نجد قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم هنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غيرهنّ ممّن أراد الحجّ والعمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتّى أهل مكّة من مكّة » . [ البخاري - مهل أهل مكة للحج والعمرة ( 1427 ) ، ومسلم - مواقيت الحج والعمرة ( 2022 ) ] .